ابن كثير
135
البداية والنهاية
فتكلم الناس فيه بسبب ذلك ، وتولى القضاء بعده شمس الدين أحمد بن الخليلي الجويني . قلت : وكانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة ، ودفن بداره التي في رأس درب الريحان من ناحية الجامع ، ولتربته شباك شرق المدرسة الصدرية اليوم ، وقد قال فيه ابن عنين وكان هجاء : ما أقصر المصري في فعله * إذ جعل التربة في داره أراح للاحياء من رجمه * وأبعد الأموات من ناره المعتمد والي دمشق المبارز إبراهيم المعروف بالمعتمد والي دمشق ، من خيار الولاة وأعفهم وأحسنهم سيرة وأجودهم سريرة ، أصله من الموصل ، وقدم الشام فخدم فروخشاه بن شاهنشاه بن أيوب ، ثم استنابه البدر مودود أخو فروخشاه ، وكان شحنة دمشق ، فحمدت سيرته في ذلك ، ثم صار هو شحنة دمشق أربعين سنة ، فجرت في أيامه عجائب وغرائب ، وكان كثير الستر على ذوي الهيئات ، ولا سيما من كان من أبناء الناس وأهل البيوتات ، واتفق في أيامه أن رجلا حائكا كان له ولد صغير في آذانه حلق فعدا عليه رجل من جيرانهم فقتله غيلة وأخذ ما عليه من الحلي ودفنه في بعض المقابر ، فاشتكوا عليه فلم يقر ، فبكت والدته من ذلك وسألت زوجها أن يطلقها ، فطلقها فذهبت إلى ذلك الرجل وسألته أن يتزوجها وأظهرت له أنها أحبته فتزوجها ، ومكثت عنده حينا ، ثم سألته في بعض الأوقات عن ولدها الذي اشتكوا عليه بسببه فقال : نعم أنا قتلته . فقالت أشتهي أن تريني قبره حتى أنظر إليه ، فذهب بها إلى قبر خشنكاشة ففتحه فنظرت إلى ولدها فاستعبرت وقد أخذت معها سكينا أعدتها لهذا اليوم ، فضربته حتى قتلته ودفنته مع ولدها في ذلك القبر ، فجاء أهل المقبرة فحملوها إلى الوالي المعتمد هذا فسألها فذكرت له خبرها ، فاستحسن ذلك منها وأطلقها وأحسن إليها ، وحكى عنه السبط قال : بينما أنا يوما خارج من باب الفرج ، وإذا برجل يحمل طبلا وهو سكران ، فأمرت به فضرب الحد ، وأمرتهم فكسروا الطبل ، وإذا ذكرة كبيرة جدا فشقوها [ فإذا فيها خمر ] وكان العادل قد منع أن يعصر خمر ويحمل إلى دمشق شئ منه بالكلية ، فكان الناس يتحيلون بأنواع الحيل ولطائف المكر ، قال السبط فسألته من أين علمت أن في الطبل شيئا ؟ قال : رأيته يمشي ترجف سيقانه فعرفت أنه يحمل شيئا ثقيلا في الطبل . وله من هذا الجنس غرائب ، وقد عزله المعظم وكان في نفسه منه وسجنه في القلعة نحوا من خمس سنين ، ونادى عليه في البلد فلم يجئ أحد ذكر أنه أخذ منه حبة خردل ، ولما مات رحمه الله دفن بتربته المجاورة لمدرسة أبي عمر من شامها قبلي السوق ، وله عند تربته مسجد يعرف به رحمه الله . واقف الشبلية التي بطريق الصالحية شبل الدولة كافور الحسامي نسبة إلى حسام الدين محمد بن لاجين ، ولد ست الشام ، وهو